ابراهيم بن عمر البقاعي

296

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وأقوالهم أعمال الخائض في ماء ، فهو لا يدري أين يضع رجله . ولما كان ذلك قد يكون من دهشة بهم أو غم ، نفى ذلك بقوله : يَلْعَبُونَ * فاجتمع عليهم أمران موجبان للباطل : الخوض واللعب ، فهم بحيث لا يكاد يقع لهم قول ولا فعل في موضعه ، فلا يؤسس على بيان أو حجة . ولما صور تكذيبهم بأشنع صورة ، بين ويلهم ببيان ظرفه وما يفعل فيه فقال : يَوْمَ يُدَعُّونَ أي يدفعون دفعا عنيفا بجفوة وغلظة من كل من يقيمه اللّه لذلك ، ذاهبين ومنتهين إِلى نارِ جَهَنَّمَ وهي الطبقة التي تلقاهم بالعبوسة والكراهة والتغيظ والزفير ، وأكد المعنى وحققه بقوله : دَعًّا * قال البغوي : وذلك أن خزنه جهنم يعلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعونهم دفعا على وجوههم وزجا في أقفيتهم ، مقولا لهم تبكيتا وتوبيخا : هذِهِ النَّارُ أي الجسم المحرق المفسد لما أتى عليه ، الشاغل عن اللعب الَّتِي كُنْتُمْ بجبلاتكم الفاسدة . ولما كان تكذيبهم بها في أقصى درجات التكذيب ، وكان سببا لكل تكذيب ، كان كأنه مقصور عليه فقال مقدما للظرف إشارة إلى ذلك : بِها تُكَذِّبُونَ * أي في الدنيا على التجديد والاستمرار . ولما كانوا يقولون عنادا : إن القرآن بما فيه من الوعيد سحر ، سبب عن ذلك الوعيد قوله مبكتا موبخا متهكما : أَ فَسِحْرٌ هذا أي الذي أنتم فيه من العذاب مع هذا الإحراق الذي تصلون منه أَمْ أَنْتُمْ في منام ونحوه لا تُبْصِرُونَ * بالقلوب كما كنتم تقولون في الدنيا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [ فصلت : 5 ] ولا بالأعين كما كنتم تقولون للمنذرين مِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ [ فصلت : 5 ] أي أنتم عمي عن المخبر عنه مع إحراقه لهم كما كنتم عميا عن الخبر أي هل تستطيعون أن تقولوا إنكم لا تبصرون المخبر عنه كما كنتم تقولون في الخبر كذبا وفجورا ، ثم يقال لهم بعد هذا التبكيت الذي يقطع بأن جوابهم يكون بأن يقولوا : لا وعزة ربنا ما هو بسحر ولا خيال ، بل هو حقيقة ، ونحن في غاية الإبصار على سبيل الإخزاء ، والامتهان والإذلال : اصْلَوْها أي باشروا حرها وقاسوه وواصلوه كما كنتم تواصلون أذى عبادي بما يحرق قلوبهم فَاصْبِرُوا أي فيتسبب عن تكذيبكم في الدنيا ومباشرتكم لها الآن أن يقال لكم : اصبروا على هذا الذي لا طاقة لكم به أَوْ لا تَصْبِرُوا فإنه لا محيص لكم عنها سَواءٌ عَلَيْكُمْ أي الصبر والجزع . ولما كان المعهود أن الصبر له مزية على الجزع ، بين أن ذلك حيث لا تكون المصيبة إلا على وجه الجزاء الواجب وقوعه فقال معللا : إِنَّما تُجْزَوْنَ أي يقع جزاؤكم الآن وفيما يأتي على الدوام ما كُنْتُمْ أي دائما بما هو لكم كالجبلة تَعْمَلُونَ * مع الأولياء غير مبالين بهم ، فكان هذا ثمرة فعلكم بهم .